الشنقيطي

353

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وقد خفي معنى هذا أيضا على أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه فقال في الكلالة : أقول فيها برأيي . فإن كان صوابا فمن اللّه وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان ، هو ما دون الولد والوالد . فوافق رأيه معنى الآية . والظاهر أنه لو كان فاهما للآية لكفته عن الرأي . كما قال النبي صلّى اللّه عليه وسلم لعمر رضي اللّه عنه : « تكفيك آية الصيف » . وهو تصريح منه صلّى اللّه عليه وسلّم بأن في الآية كفاية عن كل ما سواها في الحكم المسؤول عنه . ومما يوضح ذلك أن عمر طلب من النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بيان الآية . وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه صلّى اللّه عليه وسلم . فما أحال عمر على الآية إلا لأن فيها من البيان ما يشفي ويكفي . وقد خفي على أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم « أعطى الجدة السدس حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أعطاها السدس » فرجع إلى قولهما . ولم يعلم عمر رضي اللّه عنه بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : قضى في دية الجنين بغرة عبد أو وليدة حتى أخبره المذكوران قبل . ولم يعلم عمر رضي اللّه عنه بأن المرأة ترث من دية زوجها . حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كتب إليه : أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها . ولم يعلم أيضا بآخذ الجزية من المجوسي حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف . بأن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أخذ الجزية من مجوس هجر . ولم يعلم بحكم الاستئذان ثلاثا حتى أخبره أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري رضي اللّه عنه . ولم يعلم عثمان رضي اللّه عنه بوجوب السكنى للمتوفى عنها حتى أخبرته قريعة بنت مالك أن النبي صلّى اللّه عليه وسلم : ألزمها بالسكنى في المحل الذي مات عنها زوجها فيه حتى تنقضي عدتها . وأمثال هذا أكثر من أن تحصر . فهؤلاء الخلفاء الراشدون وهم هم ، خفي عليهم كثير من قضايا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وأحاديثه مع ملازمتهم له ، وشدة حرصهم على الأخذ منه . فتعلموه ممن هو دونهم في الفضل والعلم .